الاقليم والعالم

قطر متواطئة مع إيران في زعزعة الأمن الإقليمي

الحبيب الأسود

لم يكن مستغربا أن تدل التحقيقات العميقة على أن قطر كانت على علم مبكر بالاعتداء على ناقلات النفط قبالة ميناء الفجيرة بدولة الإمارات في مايو الماضي، والتي بات واضحا أن تنفيذها كان على يد عناصر إيرانية بهدف استعراض نظام الملالي قوته في مسالك الملاحة البحرية بالخليج وبحر العرب، وخاصة منها تلك المرتبطة بأسواق الطاقة في العالم، كرد على العقوبات الأميركية المفروضة على إيران.

منذ يومين أشار تقرير دولي نقلته شبكة “فوكس نيوز” الأميركية ، إلى أن قطر كانت لديها معرفة مسبقة بالهجوم الإيراني، لكنها لم تعمل على تحذير حلفائها من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا. وقد اعتمد أصحاب التقرير على معطيات استخباراتية وصفوها بالموثوقة، ليخلصوا إلى أن الوحدة البحرية لقوات الحرس الثوري الإرهابية مسؤولة عن هجمات ميناء الفجيرة، وأن عناصر الحكومة المدنية في إيران، وكذلك دولة قطر، كانت على دراية بأنشطة الحرس الثوري الإيراني في هذا الاتجاه.

الواضح أن التقرير ستكون له ارتداداته، وخاصة في دول الغرب الأوروبي التي يبدو أنها تفاجأت بالمعلومات الجديدة، رغم أن دول المنطقة، وخاصة منها المتزعمة لمحور مقاومة الإرهاب، كانت تدرك جيدا أن اليد القطرية ملوثة في مختلف سياقات الإرهاب ومنها الإرهاب الإيراني، وأن التحالف القائم بين الدوحة وطهران إنما يستهدف، وبدرجة أولى، قوى إقليمية بعينها وفي مقدمتها الإمارات والسعودية، حيث يسعى الإيرانيون والقطريون إلى تصفية حساباتهم معهما عبر التنسيق المباشر استخباراتيا وسياسيا وإعلاميا وكذلك ميدانيا.

ولكن عندما يعلّق متحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية على التقرير بالقول، “نحن لا نناقش مسائل الاستخبارات”، فإن ذلك يطرح أكثر من سؤال حول مصداقية واشنطن في التعامل مع الدور القطري في استهداف الاستقرار بالمنطقة، ثم أمن واستقرار حلفائهما الذين يفترض أنهم مقربون للولايات المتحدة بما يفرض عليها أن تكون أكثر وضوحا في تعاطيها مع الملفات الخطيرة ومنها ملف استهداف الناقلات في عرض سواحل الإمارات وقصف منشآت أرامكو في السعودية.

منذ سنوات والولايات المتحدة تمتلك أدلة كافية على تورط الدوحة في دعم الإرهاب في دول عدة، من أفغانستان إلى القرن الأفريقي، ومن اليمن وسوريا والعراق إلى سيناء المصرية وليبيا المنكوبة، لكن واشنطن تحاول في كل مرة القفز على ذلك بالقول، إن قطر جزء مهم من آلية الأمن الإقليمي، فمن يتابع المشهد جيدا يدرك أن لا شيء يدل على ذلك الادعاء، إلا إذا كان القصد منه أن قطر جزء من آلية تهديد الأمن الإقليمي بما يجعل دول المنطقة في حاجة دائمة إلى الحماية الأميركية.

وعندما ننظر إلى حجم ومستوى الوجود الأميركي في قطر، التي تكاد تتحول بكاملها إلى قاعدة أميركية متقدمة، سيكون علينا أن نطرح أكثر من سؤال حول دوافع سماح واشنطن للدوحة بالتحالف مع طهران التي يقول الأميركيون إنها أول من يهدد مصالحهم في المنطقة، وهو تحالف وصل إلى حد التنسيق في مسائل أمنية وعسكرية واستراتيجية، الأمر الذي يتأكد من خلال المعطيات المعلنة حول علم القطريين المسبق باستهداف الحرس الثوري الإيراني لناقلات النفط.

وقد لا تكون تلك الحادثة الوحيدة من نوعها، فالكثير من المؤشرات يدل على الدعم القطري للدور الإيراني في اليمن والعراق وإيران وغزة والقرن الأفريقي، لكن الصمت الغربي، وخاصة الأميركي، يبقى لافتا تجاه ذلك الدعم الذي لا يزيد الأمن الإقليمي إلا تهديدا.

الأكثر إثارة في الموضوع، هو لماذا تعمدت فوكس نيوز التطرق إليه الآن؟ ولماذا تم تسريب التقرير الاستخباراتي في هذا الظرف بالذات عندما كان بعض المراقبين يتحدثون عن إمكانية حصول انفراجة في الملف الخليجي على ضوء مشاركة السعودية والإمارات والبحرين لأول مرة منذ عام 2017 في بطولة رياضية في الدوحة وهي خليج 24؟

لا أحد ينكر الدور المحوري القطري في دعم قوى التطرف والإرهاب بالمنطقة، حتى أن هناك من يعتقد أنها مكلفة بهذا الدور منذ وصول الأمير السابق حمد بن خليفة إلى سدة الحكم في عام 1995، ثم تم التأكيد على ذلك بعد أحداث سبتمبر 2001، لهدفين، أولهما ظاهر وهو احتواء الإرهابيين ضمن منظومات حكم إسلاموية معزولة يتم تأسيسها على أنقاض الدولة الوطنية المدنية ذات السيادة، وثانيهما خفيّ تديره الشركات الكبرى لاستنزاف ثروات المنطقة، تكفي الإشارة إلى أن الدول العربية خسرت إلى حد الآن ما يقارب 900 مليار دولار بسبب فوضى الربيع العربي المزعوم الذي كان للدوحة دور الريادة في تبنيه.

تلك الثروات المنهوبة ترهيبا أو ترغيبا، ذهب الجانب الأكبر منها إلى شركات متعددة الجنسيات ولوبيات متعددة الولاءات والتخصصات وإلى مصارف وشبكات مالية مرتبطة بقوى سياسية فاعلة في دولها ومؤثرة على مواقف حكوماتها، سنجدها تقف بكل ثقلها للدفاع عن قطر، ولو بغض البصر عن أعمالها التخريبية.

إن مشكلة قطر أنها تنفّذ مشروعا أكبر منها، وهو أن تكون خنجرا في قلب المنطقة المستهدفة في أمنها واستقرارها للسيطرة على ثرواتها ومقدّراتها واستنزاف إمكانياتها، ولكن القطريين اعتقدوا أنهم هم من يديرون خيوط اللعبة أو أنهم قادرون على تحويل نتيجة لفائدة مشروع يتزعمونه، في حين أن من يدير اللعبة فعلا هو الحكم الذي يغض نظره عن مخالفات اللاعبين لضمان النتيجة التي يريدها. حدث هذا سابقا مع إيران التي تدفع حاليا الثمن، ويحدث مع قطر التي ستدفع الثمن لاحقا عندما ينتهى الدور المسند إليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى