الاقليم والعالم

لبنان: “أرى دماء قد اقتربت”!

عماد الدين أديب

وفي اليوم الـ40 من ثورة الشارع اللبناني، اقتربت رائحة الدماء!

المؤلم أن التخوف الذي أبديته هنا في هذه الزاوية من اليوم الثاني للأحداث أصبح قريباً للغاية.

زيادة نبرة التعامل العنيف مع المعتصمين السلميين ونزول مليشيات مسلحة للضرب وفض الاعتصامات بالقوة الغاشمة ينذر بـ3 أمور:

1 – أن منطق احتواء الثورة يتلاشى، وبدأ -منذ أيام- اعتماد سياسة المواجهة الخشنة التي قد تصل إلى إراقة الدماء واستخدام السلاح.

2 – أن المتظاهرين اكتشفوا بعد يومهم الـ40 من التظاهر السلمي أن السلطة والطبقة السياسية تحاول الالتفاف على مطالبهم، وأنهم -أي هذه الطبقة- “حالة ميؤوس منها تماماً”، وأن الحل هو التصعيد.

3 – أن الصراع الآن بين الشارع والسلطة هو “صراع على طول النفس” و”تطويل الوقت”، رغم أن الاقتصاد اللبناني، وحال الناس، والضغط المستمر على أجهزة الدولة لا يتحمل أي دقيقة إضافية.

باختصار، الموقف الآن هو:

1 – طبقة سياسية لن تتنازل.

2 – جماهير في الشارع لن تهدأ.

3 – أجهزة أمنية وسياسية تحت الضغط.

كل ذلك يتم في ظل:

1 – اقتصاد على حافة الانهيار.

2 – حياة يومية شديدة الصعوبة.

3 – وضع إقليمي يحاول استخدام الحدث اللبناني كورقة ضغط تخدم مصالحه.

هذا كله أيضاً يحدث في ظل قلق دولي من الكبار تحديداً (الأمريكان – الفرنسيين – البريطانيين)، الذين عقدوا اجتماعين تشاوريين في باريس الأسبوع الماضي.

هكذا يجد قائد الجيش نفسه إما أن يحمي الثورة فيفقد وظيفته كقائد للجيش، وإما أن يخمد ثورة الشارع بالقوة فيفقد مكانه ومكان مؤسسته في تاريخ لبنان.
بدأ مسلسل الصدام، وتدحرجت كرة النار!

وتقول المعلومات الخاصة التي تسرّبت عن هذه الاجتماعات:

1 – حضر هذه الاجتماعات مساعد وزير الخارجية الأمريكي “ديفيد شينكر”، ومديرة الشرق الأوسط في الخارجية البريطانية ستيفاني الكاك، بالاشتراك مع الموفد الفرنسي الرئاسي كريستوف فازو، والمسؤول عن تنفيذ مؤتمر “سيدر” بيير دوكان.

2 – كان هدف المؤتمر منع انزلاق لبنان نحو التدهور والانفلات.

3 – اتفق الجميع في هذه اللقاءات على أن الموقف في لبنان تحول من أزمة داخلية إلى أن أصبح أكثر تعقيداً عندما حدث تدخل إقليمي وارتباطه بالصراع الإيراني مع واشنطن.

وترى المصادر الإيرانية الرسمية أن ما يحدث في لبنان والعراق من مظاهرات واحتجاجات شعبية هو عمل تآمري مدعوم من الغرب للتآمر على إيران وحلفائها.

في الوقت ذاته، يشعر السفير الروسي في بيروت بقلق شديد من وصول السلطة التنفيذية في لبنان إلى يد قوى “غير صديقة” لمصالح موسكو.

ومصالح موسكو هي نفطية مالية قبل أن تكون سياسية تتعلق بحقول الغاز اللبنانية.

مصالح موسكو ألا يكون في بيروت نظام يعادي دمشق التي يتم تصريف أمورها الآن بسيطرة كاملة من قبل الإدارة الروسية في سوريا.

واشنطن المنشغلة الآن بمعارك انتخابات الرئاسة منقسمة حول الوضع اللبناني.

البيت الأبيض منشغل بالدفاع عن الهجمات اليومية التي تطال الرئيس ترامب.

أما “البنتاجون”، صاحب العلاقة التقليدية مع لبنان منذ الخمسينيات، والتي يقدم من خلالها السلاح والمشورة ودورات التدريب للجيش اللبناني، حريص للغاية على “ضمان سلامة الأوضاع في لبنان”، بمعنى ألا يقع الحكم بالكامل في يد قوى معادية لواشنطن.

ومما يذكر أن تسليح الجيش اللبناني يعتمد على 3 مصادر تسليح رئيسية هي أمريكية، فرنسية، بريطانية، وتقوم أساساً على نظام المنح والمساعدات من هذه الدول.

ومما يذكر أيضاً أن قائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون قد تلقى عدة دورات تدريبية رفيعة المستوى في الولايات المتحدة عامي 1988 و1995 وتلقى دورات أخرى لمواجهة الإرهاب عامي 2008 و2009.

ينظر البنتاجون باهتمام واحترام لقائد الجيش اللبناني، الذي زار واشنطن في 18 أبريل الماضي من أجل عمل محادثات مهمة لتقديم “شرح تقني” لاتجاهات استخدام صفقات السلاح الأمريكي الموعودة.

حضر هذه المحادثات: مساعدة وزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي كاترين ويلبارجر، والسفيرة الأمريكية في لبنان إليزابيث ريتشارد، وخرج الجميع من الاجتماع متفقين على أن الجنرال جوزيف عون هو رجل عسكري منضبط وصارم وفوق الشبهات ويمكن الثقة به.

ما حدث في ساحة الشهداء ليلة (الأحد – الإثنين) من صدام عنيف تم من خلاله اعتداء “شباب قيل إنهم ينتمون للثنائية الشيعية” احتجاجاً على الادعاء بقيام المتظاهرين بالتعرض للقيادة الشيعية ينذر بخطر شديد.

البلاد والعباد الآن على حافة تصعيد مدني يذهب إلى إحداث شلل كامل عبر الدعوة للعصيان المدني.

من ناحية أخرى نفد صبر الطبقة السياسية الحاكمة، والسلطات، والثنائية الشيعية.

هنا يأتي دور قيادة الجيش التي تجد نفسها في مأزق تاريخي دقيق، والتي تواجه حالة من استبدال الانسداد السياسي في التسوية بفرض أمر واقع بالقوة المسلحة على أرض الشارع اللبناني.

الجيش في لبنان يأتمر سياسياً من قبل السلطة التنفيذية، هذا دستورياً.

وواقعياً، فإن رئيس الجمهورية الحالي كان قائداً سابقاً لقيادة الجيش وما زالت له حظوظه وعلاقاته بين القيادات وهيئة الأركان.

على الجيش أن يحقق الأمن، ويمنع الفوضى ويفتح الطرق ولو بالقوة.

والجيش أيضاً لا يريد بأي شكل من الأشكال الصدام مع المتظاهرين السلميين، لأنه يريد أن يكون “الضمانة” للاستقرار، ويرفض أن يتم توريطه في أن يكون في الخندق المضاد للشارع اللبناني.

السلطة تريد من الجيش إفشال الثورة!

والثوار يريدون من الجيش أن يحمي ثورتهم.

إنها لحظة الاختيار الصعب التي بدأت تقترب من قرار قيادة الجيش.

وهكذا يجد قائد الجيش نفسه إما أن يحمي الثورة فيفقد وظيفته كقائد للجيش، وإما أن يخمد ثورة الشارع بالقوة فيفقد مكانه ومكان مؤسسته في تاريخ لبنان.

بدأ مسلسل الصدام، وتدحرجت كرة النار!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى