الاقليم والعالم

لا للهيمنة السعودية لا للحرب الاهلية

د. حسن زيد بن عقيل

بدأت الحرب الأهلية في اليمن بين القوى و التكتلات السياسية و المليشيات المتعددة ، المدعومة من المملكة العربية السعودية و ائتلافها العربي و كذا دول خليجية اخرى . في واحدة من أفقر دول العالم ، أصبحت ساحة حرب بالوكالة . هذه الحرب وضعت العالم  أمام أسوأ الأزمات الإنسانية ، ساعدت على تفشي  وباء الكوليرا و أمراض متعددة أدّت الى وفاة الآلاف من اليمنيين . هذه المآسي الناتجة عن الحرب و انتشار الأسلحة و المجاعة و الفساد السياسي و الأخلاقي خلق تربة خصبة لانتعاش القاعدة و الدولة الإسلامية – داعش .

فشلت محاولات الأمم المتحدة في احلال السلام ، بعد سنوات من من إراقة الدماء . اتفاق ستوكهولم الذي تم التوصل إليه تحت رعاية الأمم المتحدة في ديسمبر الماضي بين أنصار الله و الحكومة المركزية يتناول بشكل أساسي إنشاء منطقة آمنة في مدينة الحديدة الساحلية لتوصيل المساعدات الانسانية . لكن تم تنفيذ الخطة بشكل سيئ و لم تؤد الى النتائج المتوقعة .

جذور الصراع في اليمن قديم ، أي من بداية القرن العشرين حينما كانت اليمن مقسمة بين الشمال العثماني و الجنوب البريطاني . كان الزيديون هم المجموعة الدينية المهيمنة في الشمال لأكثر من 1000 عام . أطاح انقلاب عسكري علماني ، بدعم من مصر ، بالإمام الزيدي في عام 1962 م . على أثرها بدأت الحرب الأهلية في الشمال و استمرت ثماني سنوات . في عام 1970 إنتهت الحرب الاهلية في الشمال ، و توصل الفصيلين الجمهوري و الملكي الى اتفاق و تشكيل حكومة تضم أعضاء من الفصيلين .

في الجنوب اليمني قاومت القبائل الجنوبية الستعمار البريطاني ، لكن مقاومتها كانت تشتد في فترات و تضعف في بعض الفترات ، احيانا تأخذ صورة انتفاضة و احيانا اخرى شكل تمردات . حتى تبلورت صورتها الاخيرة في تنظيم الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل . إنطلقت الشرارة الاولى للجبهة من جبال ردفان ، إيذانا ببدء التحرير ، لتصل بعد ذلك إلى عدن و منها الى كامل ارض الجنوب الحر . تكلل النضال الشاق و الطويل لأبناء الجنوب الحر في تحقيق الاستقلال و قيام الدولة الجنوبية الوطنية ،  جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الــ 30 من نوفمبر 1967 .

بداية العدوان السعودي ــ الإماراتي 2015

المملكة العربية السعودية منذ سبعينات القرن الماضي كانت  تسعى الى إضعاف و تمزيق اليمن ، و الانتقام منه بأي وسيلة كانت ، بل وتريد إلغاءه نهائيا ، و مسحه من الأرض . السعودية لا تريد يمنا موحدا ، و لا جيشا قويا ، و لا حرية ولا أحزابا سياسية ، و لا ديمقراطية ، و لا انتخابات . هي تريد يمنا  ممزقا ، ضعيفا  فقيرا يمد  يده  بأستمرار للصدقات . و تريد حكاما  تابعين لأمرها ، وهو  ما عملت من اجله  منذ اتفاق  المصالحة الملكية / الجمهورية والتي فرضتها على الشعب اليمني في سبعينات القرن الماضي تحت وطأة الحرب الأهلية . الآن فرضت اتفاق العار و الخيانة ، اتفاق الرياض في 5 نوفمبر 2019 تحت وطأة الحرب ايضا .

في عام 1990 توحد الشمال و الجنوب اليمني . مثل الزيديون 35 في المائة فقط من سكن الجمهورية الجديدة . لكنهم ظلوا الأغلبية في محافظة صعدة الشمالية ، و أجزاء من الغرب ، وفي العاصمة صنعاء . سرعان ما تطورت التوترات مع الحكومة المركزية التي اتهمها الزيديون بالتمييز لصالح حزب الاصلاح السني الوهابي . قاد المعارضة الزيدية الشهيد حسين بدرالدين الحوثي ، التي  سّمية  الحركة  بأسمه . قتل  السيد حسين  بدرالدين الحوثي عام 2004 و تولى بعده والده القيادة ، ثم أخوه السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي ، الذي يقود المجموعة حاليًا . بعد ذلك تم وقف إطلاق النار بينهم في عام 2010 ، بعدها بدأ الربيع العربي في عام 2011 ، شارك الحوثيون في الربيع العربي . في يونيو أصيب الرئيس علي عبدالله صالح بجروح خطيرة في محاولة لاغتياله . قبل محاولة إحياء الحوار الوطني بين اليمنيين و الذي كان قبل الغزو البربري الهمجي للرئيس صالح و حزب الإصلاح وكذلك قبل إندلاع الحرب الأهلية في عام 1994 ، كان بين قادة من الشمال و الجنوب . تحركت فصائل النظام القديم و الممالك الخليجية المناهضة للديمقراطية في تقديم صفقة تمت بين مجلس التعاون الخليجي و الرئيس صالح ، تسمى مبادرة مجلس التعاون الخليجي لاجهاض الديمقراطية الثورية . و جوهر الصفقة هو ان يسلّم الرئيس صالح السلطة الرئاسية لنائبه ، عبدربه منصور هادي ، مقابل الحصانة . و ايضا ان يبقى الرئيس صالح رئيس حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم ، الذي يحتفظ  بالأغلبية البرلمانية . تم  التوقيع  على هذه  الصفقة  في المملكة  العربية السعودية  ، مع شهود من دول الخليج ، لكن  ليس لـ ” شباب الثورة ” في  اليمن  أي مشاركة فيها .

رفض الحوثيون الاعتراف بسلطة هادي ، مدعين أنه يتبع نفس السياسات التمييزية تجاههم . خلال الفوضى التي رافقت  حكم هادي ، سيطروا الحوثيون على منطقة صعدة ، المتاخمة للمملكة العربية السعودية ، حاول الرئيس هادي التوصل الى حل وسط ، و إنشاء ” لجنة للحوار الوطني و صياغة دستور جديد  ” . لكن فشلت كل محاولات هادي في تلبية مطالب جميع الأطراف . ودعا مجلس التعاون الخليجي الحوثيين إلى التخلي عن مكاسبهم العسكرية و على الجميع الوقوف وراء مبادرة  مجلس التعاون الخليجي 2011 و مشروع الدستور الذي تم الانتهاء منه مؤخرّا .

مؤتمر الحوار الوطني

تم عقد مؤتمر الحوار الوطني  كجزء من الصفقة السعودية مع الرئيس صالح . لقد كانت فكرة جيدة للغاية ، حـق أرادوا بها باطل ، ساعدت في تهدئة التوترات في عام 2012 و جزء من عام 2013 . خلالها انتخب عبدربه منصور هادي رئيسا للجمهورية . لكن مؤتمر الحوار الوطني  لم يحقق أي شيئ .

شارك في مؤتمر الحوار الوطني المثقفين و الشباب و المرأة ، لكن معظم المندوبين من كبار السن السياسيين . كان تمثيل الجنوب و الحوثيين ضئيل للغاية  . هيمن على مؤتمر الحوار الوطني خبراء و متخصصون أجانب من مجلس التعاون الخليجي و الدول المانحة و ليس للناشطين اليمنيين دور و ان وجد فهو رمزي . النفوذ الخارجي داخل كواليس المؤتمر كان قويا أكثر مما يتوقع  حيث أستطاع فرض الكثير من  المخرجات بطرق التفافية شتى . مثلا برز مشروع الأقلمة كحالة ملحة و أولوية قصوى ، فيما غابت بقية المخرجات . أصبحت الأقلمة خيار بديل بعد فشل النظام السعودي في إجهاض  الوحدة من  لحظة تحقيقها 1990 م وخيبة مساعيه في العودة للانفصال على أساس اقليمين  أو هي تطوير المشروع السعودي الذي طرح في 1994 ستة أو سبعة أقاليم أو مخاليف . حين فشل عملاء السعودية في تمرير مشروع الدستور باعتباره الضامن لتحقيق الأقلمة التفكيكية ، كما أشار الأستاذ إبراهيم الأشموري ، اختارت السعودية  سبيل العدوان لتحقيق هذه الغاية الدنيئة بالقوة وهو ما يتجسد فعليا من خلال العدوان الغاشم الذي بدأ في مارس 2015 تحت شعارات زائفة . قد أكد على سوء نية  المملكة العربية السعودية و حقدها على اليمن ، سفيرها في الأمم المتحدة آنذاك بندر بن سلطان ال سعود الذي قال حينها سنقسم اليمن السعيد الى سبع دويلات ليظل اليمن التعيس .. و من المفارقات ، كما أشارت الدكتورة  Sheila Carapico  أستاذة العلوم السياسية و الدراسات الدولية بجامعة ريتشموند بولاية فرجينيا الأمريكية . ان اقتراح الفيدرالية ، و تقسيم البلاد إلى ست مناطق إدارية ، على النحو الموصى به من قبل البنك الدولي ــ لم يكن مدرج في جدول الأعمال و برنامج العمل للجنة مؤتمر الحوار الوطني . ثانيا يبد ان الأقلمة يستند إلى الدستور الفيدرالي الفاشل للعراق أكثر من ان يلبي مطالب ميدانية للحكم الذاتي المحلي في اليمن .

للأسف ، حوالي 560 مندوبا ممن يدعون تمثيل اليمن قابعين في ضيافة و كرم و سخاء ال سعود و حلفائهم ، كما يقول المثل ” الكرم مغطي العيوب ” .  في فندق موفنبيك الخمس نجوم في ضواحي صنعاء يوميًا خلال الاجتماعات حيث تمت ترجمة محاضرات الاستشاريين الدوليين إلى العربية قبل ان يستمتع المندوبين بوجبات غداء بوفيه ممتاز . و استمرت الضيافة إلى أبعد مما هو مقرر لها في جدول الأعمال ، و كل شيئ مدفوع التكلفة سعوديا .

الآن  ممكن ان نقول ان مؤتمر الحوار الوطني فاشل في كل ملفاته ، وقد اُدخل في ارشيف التاريخ ، و يجب الآن ان نفكر في حوار وطني جامع يخرجنا من الأزمات التي نحن فيها ، لكن بعيدا عن التحالف السعودي ــ الإماراتي .

قرار التدخل و العدوان على اليمن في  2015

عندما وقع الحوثيون اتفاقية السلام و الشراكة الوطنية في 21 سبتمبر 2014 بعد الاستيلاء على صنعاء . المملكة العربية السعودية كانت على استعداد لقبول اتفاق تقاسم السلطة . لكن اندفاع الحوثيون و الرئيس صالح إلى الجنوب ( عدن ) ، كان خطأ استراتيجي كبير و مميت ارتكبه الحوثي ــ صالح ، على ما أعتقد لم يقرأون التاريخ بشكل جيد . نتذكر مؤتمر تعز الرباعي الذي عقد في مارس 1977م بمشاركة  محمد سياد بري الصومال و زعيمي شطري اليمن الحمدي و سالمين إضافة  إلى السودان . ألم يتم تصفيتهم جسديا جميعا ! من وراء تصفيتهم ؟ أليست هي قوى الشر ذاتها التي حركت عدوان مارس 2015 على اليمن . الفرق هنا ان هذا العدوان 2015  جاء علنا ، وفي مارس 1977 كان بالسر و بأيادي أخرى يمنية قذره .  هكذا عندما تقدم الحوثي ــ صالح إلى عدن ، اعتبرت المملكة العربية السعودية هذا الزحف عبارة عن ” هجوم على الهوية العربية ” بقيادة إيران . الحقيقة هذا الهدف المعلن كذب ، دحر تقدم الحوثي ــ صالح و قد أكد هذا كثير من الباحثين الغربيين ، ان تدخل التحالف السعودي ــ الإماراتي ليس له علاقة بالسياسة اليمنية الداخلية بقدر ما هو تعبير عن المنافسة الاقليمية . و مرتبط بصراع إقليمي أوسع ، على النفوذ بين إيران ( بعد خروجها عن الاستراتيجية الإسرائيلية بعد الثورة الإسلامية ) و دولة الكيان الصهيوني . الثورة الاسلامية في ايران 1979 حطمت الاستراتيجية الاسرائيلية التي كانت تراهن على ما يسمى بــ ( الحلف المحيط ) الذي شكله بن غوريون  أوّل رئيس وزراء  لاسرائيل في بداية الخمسينات ، يتكون من إيران ، تركيا ، إثيوبيا لاحتواء العالم العربي .

لذا جاء العدوان السعودي ــ الإماراتي تحت  مظلة الشعار المعلن  دحر تقدم الحوثي ــ صالح و رد فعل على القلق السعودي من التهديد الايراني ، و أبو ظبي من تهديد الإخوان المسلمين في اليمن ـ حزب الإصلاح الاسلامي  . أما موقف الولايات المتحدة و المملكة المتحدة جاء كداعم  لحليف  إقليمي إسرائيل و السعودية ، لكن هناك أيضا عندهم انزعاج من مجرى الحرب ، خاصة من المكاسب التي حققها داعش و القاعدة .

اما الاهداف الحقيقية لعدوان 2015 أبعد من ذلك وهو :

  • إيجاد عمق إسرائيلي في البحر الأحمر يتيح لها رصد أي نشاط عسكري عربي في المنطقة .
  • كسر أي حصار عربي في المستقبل ضد إسرائيل في حالة حدوث مواجهة عربية إسرائيلية .
  • ضمان الاتصال و الأمن للخطوط البحرية العسكرية و التجارية لإسرائيل من المحيط الهندي الى البحر الابيض المتوسط .
  • تدويل مضيق باب المندب و منع تحويل البحر الأحمر إلى بحيرة عربية .

اما اهتمام الولايات المتحدة بالبحر الاحمر و مضيق باب المندب ارتفع في السنوات الاخيرة بعد دخول الصين على خط المنافسة عبر مشروعها الاستراتيجي إعادة إحياء طريق الحرير البري و البحري و إنشاء الحزام الاقتصادي  .

لهذا على الاخوة في الشرعية و المجلس الانتقالي و مجلس الانقاذ الوطني و غيرها من الكيانات السياسية الجنوبية  دراسة مخاطر اتفاق الرياض و ملحقاته السرية ، التي تعمل ضد المصالح الوطنية اليمنية و القومية العربية و الاسلامية . نحن في الحراك الجنوبي بكل مكوناته ليس لدينا عداوة مع أنصار الله و لا مع ايران و لا مع احد من دول الجوار . نحن نريد إعادة دولة الجنوب اليمني . و لدينا القدرة على حل مشاكلنا مع الأشقاء في الشمال اليمني بالطرق السلمية . أما اذا كان للسعودية عداوة مع احد  مثلا إيران  تحل مشاكلها بعيدا عنا ، ولها في الإمارات العربية المتحدة أسوة حسنة .

كاتب و محلل سياسي يمني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى