دراسات وتحليلات

صحيفة: قمة العلا تعبّد دروب المصالحة الخليجية

يطل 2021 على المنطقة بمتغيرات عدة ورغبة لدى الكثير من الأطراف في إعادة تموضعها على الخارطة الجيوسياسية. وجاء الإعلان الكويتي عن اتفاق بين السعودية وقطر عن فتح الأجواء والحدود البرية والبحرية بينهما، وإعلان أمير قطر حضوره قمة العلا، ليعطي الإشارة بأن بداية النهاية قد حانت لحل الأزمة الحالية بين دول الخليج؛ والتي بدأت في 2017. وتميزت ردود أفعال بعض الدول المشاركة في مقاطعة قطر، وبعض اللاعبين الأساسيين في المنطقة، بالتطلع الحذر للمستقبل أو بالترحيب بالخطوات المعلنة؛ وهو ما يعكس حسابات مختلفة لدى الجميع، سواء أكان ذلك الخشية من تكرار تصرفات سابقة، أم رغبة في طيّ صفحة الماضي والاستفادة من فرص العام الجديد.

عن التوقيت والتحديات والفرص

تأتي الخطوات المعلنة وسط توقعات بأن إدارة ترامب الحالية لا تزال تلعب دوراً كبيراً في جهود حل الخلاف؛ حيث تتواتر الأخبار عن رحلات مكوكية قام بها مستشار ترامب وصهره، جاريد كوشنر، بين العواصم المختلفة؛ من أجل تجسير الهوة بين الرياض والدوحة أساساً والوصول لتوافق على خطوات مشتركة لتخفيف التوتر بينهما. وعلى الرغم من التأثير الكبير والمتوقع للإدارة الأمريكية على مجرى الأحداث؛ فإن الخطوات المعلنة تُشير إلى مرونة كبيرة في دفة الدبلوماسية السعودية.

وعلق د.عبدالله بن خالد بن سعود آل سعود، الأستاذ في جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، في حديث إلى “كيوبوست” بالشرح بقوله: “لا شك أن القمة الخليجية اليوم في العلا تأتي في توقيت مهم وعلى مطلع عام وعقد جديد وفي أجندتها ملفات مهمة؛ من ضمنها المصالحة المرتقبة، وهي إن تمت ستكون على الأغلب بإجماع كل الدول المعنية”.

ومن الواضح أن الرياض أثبتت من جديد قدرتها على التأقلم مع تحديات جديدة قادمة؛ مثل تولي جو بايدن مقاليد الأمور في البيت الأبيض، بكل ما يعنيه ذلك من تحولات في توجهات وقرارات الإدارة الجديدة ستؤثر حتماً على أمن الخليج ومصالح الجميع فيه. ورغم بعض الضبابية التي تحيط بالمشهد والتي أشار إليها آل سعود، قائلاً: “يبقى الكثير غير معلوم حتى الآن حول بنودها وآلية متابعتها”، إلا أن الإعلانات الأولية أثارت موجة عريضة من التفاؤل المشوب بالحذر؛ وهو ما يسلط الضوء على الإمكانات والفرص الكبرى التي سيطلقها اتفاق ناجح لحل الخلاف الخليجي، ويشرح آل سعود في هذا الصدد: “التحديات كبيرة والفرص الممكن تحقيقها أكبر، والآمال أن ترقى القمة لمستوى تطلعات وطموحات قادتنا حفظهم الله وشعبنا”.

أزمة الخليج والعلاقات الدولية

أدت الأزمة الخليجية إلى حدوث تغيرات عديدة في مفاهيم العلاقات بين الدول؛ حيث إن منطقة الخليج اليوم تضم دولاً إقليمية فاعلة ولاعبين مؤثرين ووجوداً أمنياً مكثفاً من قوى عالمية وغربية وازنة. ويستمد حل الخلاف الخليجي أهميته أيضاً من حقيقة كون الخليج مصدراً للتأثير السياسي وصانعاً للحدث في كل خرائط الشرق الأوسط. ويشرح الدكتور محمد بهارون؛ مدير عام مركز دبي لبحوث السياسات العامة (بحوث)، الأبعاد الاستراتيجية الكامنة وراء حل الأزمة بقوله: “كتلة التعاون الخليجي كتلة مهمة وهي أساس كتلة جيو-استراتيجية أكثر أهمية؛ وهي الجزيرة العربية، والنظر لأمنها الإقليمي؛ بما في ذلك الأمن الملاحي لأربعة مسطحات مائية دولية، إضافة إلى وجودها في عمق التطرّف الديني يستدعي عملاً مشتركاً إقليمياً ودولياً وحضارياً، وبالتالي فإن تقوية مجلس التعاون لا شك فيه تقوية للجهد الدولي لتأمين منطقة حيوية للعالم بأسره”.

د. محمد بهارون
ويستدعي حل الخلاف المُزمن النظر إلى الأساسات التي بُني عليها العمل الخليجي المشترك، ونقلها إلى مستوى متجدد من متانة الإجراءات والضوابط التي توفق بين المصالح السيادية لدول تتقارب أحياناً وتختلف في بعض الأحيان. وعن ذلك يقول با هارون: “الأزمة القطرية فتحت الباب على إعادة تعريف مفاهيم جوهرية؛ ومنها الأسس التي أقرت لتأسيس مجلس التعاون الخليجي، وحل الموقف الحالي قد يتطلب إعادة النظر في أسس التعاون على أسس ضوابط قانونية كما هي الحال في الحيثيات القانونية التي تأسس عليها الاتحاد الأوروبي مثلاً، بدلاً من القيم والأعراف التي كانت أساس تأسيس التعاون الخليجي؛ والتي للأسف اعتمدت النيَّات السليمة أكثر من الضوابط القانونية، القمة يمكن أن تفتح الباب لهذا النقاش؛ وهو ما يحتاج إلى مكاشفة من ناحية ووضع أطر قانونية تمنع تكرار نفس الأزمة؛ وهو ما ينبغي أن يكون أساس استدامة مجلس التعاون”.

أعلام دول الرباعي العربي
ولا شك أن أطراف الخلاف تتطلع إلى تسوية مُستدامة تمنع العودة إلى أخطاء الماضي، وتجعل الأزمة الحالية هي الأخيرة، ولتحقيق ذلك يشدد با هارون على ضرورة الحذر في تعريف بعض المصطلحات والمفاهيم المتعلقة بحل النزاعات الدولية، ويقول: “أعتقد مصطلح (المصالحة) قد يستدعي مفاهيم في الذاكرة الخليجية؛ مثل (طاح الحطب) وهو مرتبط بمفهوم الخلاف الشخصي، وينتهي عادة بتجاوز الخلاف لا حله”.

حروب الإعلام والأيديولوجيا

يبرز بند إيقاف الحملات الإعلامية كشرط مهم ومتجدد لدول الرباعي العربي في تعاملها مع الدوحة؛ حيث إن الشحن النفسي والفكري المستمر لا يرسل إشارات جادة حول نية الدوحة بتغيير سلوكياتها، كما أن هذه الحملات تكثف من توتر الرأي العام في المنطقة؛ وهو ما سيؤثر على ردود الأفعال على أية رغبة في التغيير، ويُضفي الحذر والتخوف من دبلوماسية حلحلة الخلافات. وعلق السيد مصطفى الزرعوني، رئيس تحرير جريدة “الخليج تايمز” الإماراتية، على الاشتباك الإعلامي الخليجي بقوله: “لطالما تعاملت دول الخليج بحذر مع الإعلام؛ فهي دول ملكية محافظة لا ترغب في إثارة القلاقل ولا تطمح للعب أدوار بطولة أيديولوجية”.

مصطفى الزرعوني
ووضح الزرعوني أن سلوك الدوحة الإعلامي جاء معاكساً لما اعتادته عواصم المنطقة؛ وهو ما أحدث صدمة في البداية وزرع شرخاً مجدداً، بسبب “شعبوية الخطاب القومي والإسلاموي الذي يميز الإعلام المدعوم من الدوحة، وهو ما يتوافق مع أمزجة الجماهير العربية ويشوه سمعة الدول المعتدلة في الخليج والمنطقة أمام الرأي العام في المنطقة”.

ولدرء أخطار هذه الحملات الإعلامية، شدد الزرعوني على ضرورة وجود “ميثاق إعلامي خليجي مشترك، تتعهد فيه جميع الأطراف بالالتزام بمجموعة محددة من الآليات التي تمنع الانزلاق سريعاً نحو حروب إعلامية مكلفة وعبثية وعقائدية”.

الطريق نحو المستقبل

لا يزال الحدث الخليجي المهم في بداياته الأولى، ومن الصعب التكهن بما تحمله الساعات والأيام القادمة؛ لكن هناك الكثير من الدروس التي ستحرص الدول الفاعلة على استخلاصها وتطبيقها في أرض الواقع، بهدف حماية مصالحها واستدامة عمل المنظومة الخليجية، وفي ذلك يشرح د.حمد الثنيان، أستاذ مشارك العلوم السياسية في جامعة الكويت، وجهة نظره حول الدروس المستفادة من السنوات الماضية: “أبرز ما تعلمناه من السنوات الثلاث الماضية للأزمة الخليجية هو أن الحوار والمصارحة أفضل سبيل للمصالحة، وهذا يتطلب أن تكون القنوات الدبلوماسية بين الدول الأربع مفتوحة وفعالة خلال الفترة القادمة لتلافي أي سوء فهم في تنفيذ الاتفاقية”.

د.حمد الثنيان
الترقب الآن هو سيد الموقف وتتجه الأنظار نحو قمة العلا وما بعدها؛ لمعرفة ما سيخرج من قاعات الاجتماع المغلقة، وكيف سيؤثر ذلك على تموضعات المنطقة وحسابات الجميع، ومن الثابت أن تسوية الخلاف تتطلب الكثير، وقد عبر أنور قرقاش، وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، عن ذلك بقوله: “نحن أمام قمة تاريخية بامتياز في العلا، نعيد من خلالها اللحمة الخليجية، ونحرص عبرها على أن يكون أمن واستقرار وازدهار دولنا وشعوبنا الأولوية الأولى. أمامنا المزيد من العمل ونحن في الاتجاه الصحيح”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى