دراسات وتحليلات

صحيفة: كيف أصبحت المواقع الإلكترونية ميدان منافسة؟

تحرص القنوات الفضائية والصحف والمواقع الإخبارية حاليا على المنافسة عبر المواقع الإلكترونية الخاصة بها ومواقع التواصل الاجتماعي، فمن يريد أن يكون له مكان في المشهد الإعلامي عليه الاهتمام بالمضمون والحرص على الجودة، إلى جانب التقنيات البصرية، لأن الشكل وحده لا يصنع إعلاما حقيقيا.

القاهرة- زادت المنافسة بين القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية والصحف، فكل جهة تحاول أن تثبت قوتها وقدرتها على الوصول إلى أكبر شريحة من الجمهور، فأدخلت تعديلات على الشكل والمضمون لتستطيع منافسة الثورة الحالية في منصات التواصل الاجتماعي، والإعلام الرقمي عموما.

وتطورت آليات الصراع غير المرئي بين الجهات الثلاث، وبدأت كل جهة تسعى للسيطرة على نقاط القوة الموجودة في بقية الأطراف، لزيادة عدد الزيارات “الترافيك” والمنافسة على حصة جيدة من العوائد الإعلانية الرقمية، وضمان ولاء أكبر عدد من المتابعين للتمكن من توصيل الرسالة إليهم.

وتتطلب المنافسة كوادر صحافية على درجة عالية من التأهيل ومتعددة التخصصات، ففي إعلان لافت خلال الأيام الماضية، عن طلب صحافيين في تخصصات مختلفة، كانت الشروط تتضمن أن يكون المتقدم ملما بحرفية الكتابة ويجيد التعامل مع المنصات والصورة والمونتاج، وتبين لاحقا أن الإعلان لفضائية عربية، تريد تطوير موقعها الإلكتروني، وتكون انطلاقتها الجديدة متكاملة، وتجمع داخلها كل فنون العمل الإعلامي الحديث.

وابتعدت المكاتب الإعلامية العربية عن التجريب والهواية، وتتبنى الآن شروطا قاسية في تعيين فرق الإعداد والتحرير والمراسلين، أهمها القدرة على تحويل المحتوى البصري إلى مكتوب، والعكس.

ويؤكد خبراء الإعلام أن أغلب المتابعين يلجأون إلى المواقع بواسطة هواتفهم النقالة عبر حساباتها على مواقع التواصل، وهناك ما يشبه الاتفاق على أن المحتوى البصري المختصر أكثر جذبا من المكتوب، والمكتوب القصير أكثر جذبا من البصري الطويل، ما دفع الإعلام التقليدي إلى البحث عن مساحة للاستمرار، كما حدث لعدد من الصحف اليومية، من خلال إصدار نسخ رقمية تمكنها من الوصول إلى القارئ بسرعة.

ويدق الإعلان السابق جرس إنذار للعاملين في الإعلام والقائمين عليه، فالمنافسة شرسة، ومن يريدون أن يكون لهم مكان في المشهد الإعلامي، عليهم الاهتمام بالمضمون المقدم، والحرص على جودة متناهية، لأن الشكل وحده لا يصنع إعلاما حقيقيا.

وأحدثت مواقع إلكترونية كثيرة نقلة في محتواها وشكلها، وتقدم برامج وفيديوهات قصيرة بجودة واحترافية تقترب مما تقدمه فضائيات متخصصة، مثل موقع صحيفة “اليوم السابع”المصري الذي حصل على جائزة أفضل موقع في جائزة دبي للصحافة.

واكتشف القائمون على الفضائيات العربية أن المتابع يستطيع تذكر النص المكتوب لمدة أطول من المرئي، ووجود محتوى مكتوب يعزز الولاء، ويزيد من تكريس المعلومة التي تبث بشكل مرئي، وهو ما يمثل ميزة للصحافة الجادة العميقة.

وتحرص القنوات الفضائية حاليا على المنافسة والجودة من خلال الشاشة والإعلام الرقمي، حيث أنشأت مواقع إلكترونية خاصة بها، وصفحات على مواقع التواصل، وقنوات على يوتيوب تبث مقاطع من برامجها، لمنافسة الصحف والمواقع الإخبارية.

ووفرت تلك المواقع فرصا للمتابعين للتفاعل الفوري مع ما يقدم من محتوى والإدلاء بآرائهم في القناة والقضايا التي تطرحها برامجها، على عكس ما يحدث في المحتوى البصري الذي يتم بثه على الشاشة دون تغذية مرتدة.

ويشير خبراء إلى أن المواقع الإلكترونية أفادت الفضائيات بإمكانية وصول بثها المباشر إلى أكبر عدد ممكن من المتابعين دون الحاجة إلى التقيد بتقنيات الأقمار الصناعية وجودة استقبال البث في أماكن بعيدة ومختلفة حول العالم.

وكان الراغبون في البحث عن مادة معينة بأرشيف أي فضائية يضطرون للذهاب إلى مقرها، واستهلاك الوقت في طلب تصاريح قبل السماح بالإطلاع على أرشيف القناة.

مع التنوع وازدياد حدة المنافسة برزت أسئلة عديدة في أذهان المهتمين والمتابعين، مثل: هل أدت الصحافة المتنوعة في الشكل إلى إثراء المحتوى أم لا؟ وهل المنافسة الحادة بينها على الجودة سوف تؤدي إلى إلغاء إحداهما الأخرى؟

ويرى مسعد صالح الأستاذ بكلية الإعلام في جامعة القاهرة، في تصريحات لـ”العرب”، أن “تعدد الوسائل الإعلامية يصب في مصلحة الجمهور، لأن التطور التكنولوجي ساعد على اكتشاف الطرق التي تجذب القراء إلى المحتوى مهما كان المضمون الذي يقدمه وتوجهه السياسي”.

وأشار إلى أنه “ليست هناك وسيلة إعلام تتصف بالحيادية الكاملة، فالجميع له أهداف ومصالح تخدم مموليه، لكن الفارق هو الذكاء في المعالجة والتحليل للتأثير على المواطن وجذبه من خلال ابتكار طرق غير تقليدية في التناول”.

ولا تزال بعض الصحف العربية الورقية تملك القدرة على جذب القراء من دول عدة، رغم المنافسة الشرسة من الفضائيات والإعلام الرقمي، طالما أنها تستطيع نسج طريقها لتجاوز العقبات المالية واللوجستية والسياسية المصاحبة، فالوسائل الإعلامية لا تستطيع إحداها أن تلغي الأخرى، فلكل وسيلة هدف وشريحة معينة من الجمهور.

وحذر متابعون من خطر أكبر قد يضر بجميع الوسائل الإعلامية، وهو “الإنترنت الفضائي”، وهو مشروع عملاق سيكون شوكة في ظهر وسائل الإعلام، وقد يدفن الكثير منها، لأن المنافسة سوف تأخذ شكلا غير معتاد.

وأكد الإعلامي المصري أسامة الشيخ، رئيس تحرير مجلة “سوبر” الإماراتية، ورئيس تحرير المحتوى الرياضي الرقمي في مجموعة “إم.بي.سي” بدبي، ورئيس قنوات “أون سبورت” المصرية السابق، أنه “من المبكر الحديث عن قدرة الأطراف المتصارعة على استكمال السباق من عدمه في ظل التطور التكنولوجي”.

وأوضح لـ”العرب” أن “من يزعم عدم تأثر المطبوعات بالمنافسة والتطور التكنولوجي، شخص واهم، بدليل أن هناك صحفا عريقة ومهمة حول العالم توقفت عن الصدور، وتحولت إلى مواقع إلكترونية، وهناك مؤسسات صحافية تعاني ماليا بسبب انخفاض المبيعات، وتراجع العائد الإعلاني، لتفضيل المعلنين التوجه إلى الفضائيات والمواقع الإلكترونية”.

القنوات الفضائية تحرص حاليا على المنافسة والجودة من خلال الشاشة والإعلام الرقمي، حيث أنشأت مواقع إلكترونية خاصة بها، وصفحات على مواقع التواصل

وقبل 15 عاما أو يزيد كان الحديث يدور حول اختفاء الإعلام الورقي لصالح الفضائيات والمواقع الإلكترونية، وهذا لم يحدث، لأن الصحف الورقية لا يزال لديها قراء موالون لها.

ولم يكن أحد يتخيل، قبل خمسة أعوام فقط، أن المواقع الإلكترونية سوف تتراجع أمام مواقع التواصل الاجتماعي بهذه الصورة، التي أتاحت أمام مستخدميها ميزات لم توفرها المواقع التقليدية، وهي المشاركة في صنع الحدث وليس فقط التفاعل معه.

ونجحت وسائل التواصل في استقطاب الملايين من المتابعين، خاصة الأحدث عمرا، الذين تمردوا على فكرة التلقين دون مشاركة، وثمة شركات متخصصة الآن في إنشاء حسابات وصفحات متخصصة على مواقع التواصل دون اهتمام بإنشاء موقع إلكتروني أو فضائية، فهل يعني هذا اختفاء المواقع والفضائيات لصالح مواقع التواصل؟

في ظل المعطيات السابقة، لا أحد يضمن أن تبقى مواقع التواصل المنتعشة حاليا بنفس الزخم الحالي، بل يمكن أن تظهر منصات أخرى تمنح مستخدميها ميزات أفضل، وتسترد الصحافة التقليدية عافيتها من جودة المحتوى وتطوير الشكل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى