دراسات وتحليلات

من منظور الفلسفة وعلم النفس.. ما الفرق بين التسامح والتناسي؟

القاهرة

“عندنا تتسامح، فإنك تركز على الطرف الآخر، وعندما تتناسى، فإنك تركز على نفسك. بكلمات أخرى، التسامح يخص الشخوص، والتناسي يخص المواقف”، هذا ما ذكره أستاذ علم النفس في جامعة ويسكونسن ماديسون الأمريكية، مؤلف كتاب “الحياة الغفور”، روبرت إينرايت.

وقد نشر إينرايت مقالته في مجلة “سايكولوجي توديه” الأمريكية، أوضح فيها الفرق في بين فضيلة التسامح وقيمة التناسي من وجهة النظر الفلسفية.

من الخطأ أن نساوي بين فكرة التسامح مع شخص بشأن موقف سيء، وفكرة تناسي ذاك الموقف والانتقال إلى ما هو أبعد منه. لا يمكن المساواة ما بين هاتين الفكرتين على الإطلاق.

“التناسي” يعني الذهاب إلى ما هو أبعد من الموقف السيء، دون التفكير مليًا في صاحب الذنب، ومحاولة عدم السماح لما حدث بالتأثير على العواطف أو الأفكار أو السلوكيات. أما “التسامح” فيعني التركيز فعليًا على الطرف الآخر، صاحب الخطأ نفسه.

ينطوي التسامح على تقديم فضيلة أخلاقية من الرحمة تجاه شخص أساء التصرف. في هذه الحالة، يتحرك المتسامح نحو المذنب بعين اللطف والاحترام والكرم وحتى الحب، على أمل أن يتغير هذا المذنب في المستقبل القريب. وبالطبع، لا يركز المتسامح على الموقف بقدر تركيزه على المذنب شخصيًا.

وفي الوقت ذاته، لن يشعر المتسامح بالرضا لو كرر المذنب سلوكياته السيئة، أو بقي على حاله السيء. وبعبارة أخرى، يهدف المتسامح إلى إتاحة فرصة جديدة أمام المذنب كي يجري تغييرات نحو الأحسن.

أما التناسي، فينطوي على التغاضي عن الموقف السيء من أجل أهداف مستقبلية، دون مبالاة بالطرف الآخر، أي دون اكتراث حقيقي بمسامحة المذنب شخصيًا. التناسي هو التطلع إلى الأمام، والمضي قدمًا بحياة المرء، سواء مع الطرف المذنب أو بدونه.

“التسامح” و”التناسي” شيئان مختلفان تمامًا: عندما تتسامح، يكون تركيزك على الطرف الآخر، وعندما تتناسى، يكون تركيزك على نفسك. وبالطبع، قد لا يكون التناسي عملًا أنانيًا، لكنه لا يطهّر القلب من الاستياء الدائم تجاه المذنب. وفي المقابل، ينطوي التسامح على تطهير القلب من الشعور السيء تجاه المذنب على الفور، أي الشفاء العاطفي الناتج عن الغفران.

التسامح يؤدي للتناسي، لكن التناسي لا يؤدي للتسامح

يرتبط التسامح بالتناسي بالطريقة التالية: عندما يتسامح المرء، فإنه يحرّك طيبة قلبه تجاه المذنب، وهذا يساعده في “تناسي” الموقف السيء دون ضغينة أو استياء. عندما يتذكر المتسامح الموقف السيء بعد أيام قليلة، فإنه لا يشعر بالغضب أو الحرقة، لكن ربما يشعر بالحزن بدلًا من الهيجان، أو خيبة الأمل بدلًا من الكراهية. هذا على عكس المتناسي تمامًا، الذي يشعر بغضب وكراهية تجاه المذنب عندما يتذكر الموقف السيء، حتى بعد أيام طويلة. التناسي لا يؤدي إلى التسامح والمغفرة، لأن المتناسي يحفظ في ذهنه ما حصل، ويتوقف تمامًا عن التفكير في الطرف الآخر.

إن المجتمعات بحاجة إلى التمييز ما بين هاتين القيمتين. وعند تحقيق ذلك، سيصل البشر إلى التعافي التام من ذكريات التعاملات المؤلمة والمواقف الظالمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى