الاقليم والعالم

حتى لا يكمن الشيطان في اتفاق الرياض!

صباح التركي

تتخذ الاتفاقيات الدولية أو الاتفاقيات الداخلية بين مكونات البلد نفسه في أحيان عديدة وخاصة في الحالات الحرجة – كوجود حالة خلاف سياسي مفاجئ أو صراع مسلح طارئ وبسبب السعي لمحاولة ردم الهوة بين طرفي النزاع في مهدها تلافيا لاتساعها – مسار التركيز على حل المسائل الخلافية بخطها العريض (أطرها) دون الالتفات كثيرا إلى تفسير أدق التفاصيل والبنود والمصادقة عليها سلفا وإدراجها ضمن الاتفاق النهائي ومن شأن خطوة كهذه تكوين بؤرة حاضنة لتجدد الخلاف وعودته في المستقبل عطفا على احتمالية الاختلاف اللاحق حول تفسير بعض البنود بين موقعي الاتفاقية!.

اتفاق الرياض يعد خطوة إيجابية رعته المملكة العربية السعودية كعادتها في التصدر العربي بالمساهمة بحل الخلافات الدولية والعربية والإسلامية وأولته اهتماما كبيرا ضمن جدولها السياسي -عطفا على أن أمن الجمهورية اليمنية وشعبها يعد من أمن السعودية والمنطقة الإقليمية بأسرها- وبتعاون وثيق من دولة الإمارات اتفق به طرفا الخصومة وهما الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا والمجلس الانتقالي الجنوبي على حل أوجه الخلاف بينهما.

بداية ما يجب أن تراعيه الحكومة اليمنية في اتفاق الرياض هو العمل على ما ذكر في مقدمة المقال، أي الاهتمام بأدق التفاصيل والبنود وتفسيرها بوضوح لا مواربة فيها ولو بمذكرة إلحاقية تفسيرية يوقع عليها الطرفان خصوصا وأن الاتفاق لم يمض عليه فترة طويلة ليصعب معه أي تعديل أو إضافة، وتدارك ما يمكن إدراكه خير من تركه وما اتفاق استوكهولم وإشكالياته الذي وقع مع الحوثيين عن الحكومة اليمنية ببعيد!. كما يمكن أيضا أخذ العبرة «عربيا» من حيثيات اتفاق الرياض الموقع عام 2013م بين دول مجلس التعاون من جهة ودولة قطر من جهة أخرى وما تبعه من اتفاق تكميلي في عام 2014م ؟!.

«السياق التنويهي السابق في حال إن لم يؤخذ هذا الأمر في الحسبان مقدما وحتى لا تقع أي ملامة على راعي الاتفاق في حال نشوء أي خلاف في تفسير أحد البنود أو الفقرات بين طرفي الاتفاق لاحقا».

الأمر الهام الآخر هو وجاهة إعلان تفاصيل اتفاق الرياض «رسميا» كي يضع جميع الأطراف عند مسؤوليتها القانونية أمام العالم. فما معلن منه الآن سوى مجرد تسريبات صحفية أو مقابلات لمسؤولين من أحد الطرفين يستعرضون من خلالها «أطر» بعض ما اتفق عليه! وهذا السياق بلا شك لا يحقق تطلعات الشعب اليمني المشارك بالتضحيات ولا يخدم عامل الشفافية الذي يتطلع له المكون اليمني والعالم أيضا ولا يسهم بشكل رئيس في عملية ضبط الالتزام بما اتفق عليه بين الطرفين أو تحديد أي طرف قد يخل بالاتفاق لاحقا أمام الجميع؟!.

وعلى اعتبار أن اتفاق الرياض تم بين الحكومة اليمنية وبين طرف يمثل وجهة نظر أحد المكونات البارزة في الجنوب اليمني وكون وجهة النظر هذه قد تنسحب على بقية المحافظات الجنوبية بإطارها العام لا تفاصيلها، فينبغي على الحكومة اليمنية أن تولي كافة المحافظات الجنوبية الاهتمام ذاته، فالمجلس الانتقالي الجنوبي لا يمثل الرأي الموحد للمحافظات الجنوبية بأكملها وإن كان هو الصوت الأبرز الذي ظهر مؤخرا للحديث عن القضية في جنوب اليمن ودرءا لظهور خلافات جديدة بين الحكومة اليمنية ومكونات أخرى تابعة للمحافظات الجنوبية أو محاولة استمالة أحدها من أطراف أخرى بعيدا عن إطار الدولة «خاصة وأن المكون السياسي اليمني شائك ومعقد جدا»، فإشراك الجميع بأي اتفاقية أو مبادرات سياسية هو الضامن لعدم تجدد الخروج على الدولة الموحدة.

قضية الجنوب اليمني وتشعباتها لم ينكرها أحد ولا حتى الحكومة اليمنية الحالية، لكن توقيت المطالبة بتقرير المصير والانفصال قبل استقرار اليمن وتخليصه من السلاح والإرهاب والقوى الخارجة عن إطار الدولة وقبل تطبيق القرار الأممي (2216) لن يخدم استقرار اليمن ولا المنطقة ولا المطالبين بذلك قبلهم.

قوات التحالف العربي بقيادة السعودية سارعت للتدخل في اليمن تلبية لطلب حكومته الشرعية وذلك للتخلص من الانقلاب الحوثي على الدولة بعد استقوائه عليها بالسلاح ونتيجة لهذا التدخل تم تحرير معظم مناطق اليمن من سيطرة الحوثيين. فهل من الحكمة والوفاء بعدها أن يعمد أي مكون يمني يتم تحرير مناطق إقامته وبعون مباشر من التحالف العربي بعد الله أن يطالب بحقوقه الخاصة «كما يعتبرها» ويتوقف من جانب عند حدود مناطقه ليتغاضى بعدها عن حقوق أمن البلد عليه وعن حقوق الحكومة من جانب آخر التي هي أساسا من جلبت له العون لتحريره من سطوة الحوثيين ؟ وهل هناك ما يشفع لمحاولة تناسي ألم الدماء التي أريقت في اليمن قبل إتمام المهمة التي من أجلها قامت الحرب؟!.

كاتب في الشأن السياسي والاقتصادي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى