الاقليم والعالم

الابتكار كلمة السر لإيجاد مكان في سوق عمل يعاني

كانت سامية الهاني قد حصلت للتوّ على تدريب داخلي في شركة عندما انتشر فايروس كورونا وذهبت وظيفة أحلامها في مهبّ الريح.

ووجدت الخريجة البالغة من العمر (23 عاما) جانبا إيجابيا خلال الإغلاق لبدء حياتها المهنية وإطلاق مشروع صناعة حلويات منزلية تبيعها عبر صفحة على فيسبوك. وانضمت سامية إلى والدها الذي سرّح هو الآخر من العمل.

وكان بشير، والد سامية، قد عيّن في بداية العام كرئيس للطهاة في مطعم راقٍ بجهة قمّرت (شرق تونس العاصمة) بعد أن كان طاهيا عاديا. وعندما تم تسريحه بسبب فايروس كورونا، أخذ مهاراته في الطهي إلى مطبخ منزله وعمل مع ابنته. وقال “لقد مرّت خمسة أشهر منذ أن بدأت. لقد تمكنا من تحقيق التعادل وهذا إنجاز كبير بالنسبة إلينا”.

ويضيف “لطالما كانت هواية ابنتي صناعة الحلويات، ومع انتشار الحجر المنزلي، اكتشفنا أن الناس يقبلون على شراء الحلويات بشكل لا يصدق”. وقالت سامية من جانبها “لقد أتاح لي الوباء فرصة لم أكن أمتلكها من قبل: وهي ممارسة هوايتي المفضلة والحصول على نقود أكثر بكثير مما كانت ستقدمه لي الشركة”.

العمل الحر

توقف واحد من كل ستة شبان عن العمل منذ انتشار جائحة كورونا، وأبلغ نصفهم تقريبا عن حدوث تأخيرات في دراستهم، وفقا لاستطلاع أجرته منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة.

ويقول خبراء العمل إنه من السابق لأوانه معرفة بالضبط كيف سيؤثر ذلك على آفاق الحياة المهنية للجيل، لكن من غير المرجح أن يكون طريقهم إلى العمل يسير بشكل تقليدي في العام 2021 وما بعده.

وقالت سوزان رايشل، الرئيسة والمديرة التنفيذية لمؤسسة الشباب الدولية، وهي منظمة غير ربحية مقرها الولايات المتحدة، “أصبح الشباب أكثر ريادة للأعمال وينظرون إلى المهن والتوظيف بالإضافة إلى التعليم الآن بطرق غير تقليدية. اعتقد أن النوع التقليدي من الوظائف الأولى في صناعة الخدمات أو في صناعة الضيافة، اختفى”.

وكان التحوّل نحو ريادة الأعمال والعمل الحر جاريا حتى قبل انتشار الوباء بين الشباب الذين تزيد احتمالية تعرضهم للبطالة بثلاثة أضعاف مقارنة بالأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 25 عاما، وفقا لمنظمة العملالدولية.

من شأن المشاكل الاقتصادية الناجمة عن فايروس كورونا، خصوصا معضلتي البطالة وضعف فرص الشغل، أن تتسبب في مشاكل اجتماعية معقّدة وأن ترسّخ الفقر والهشاشة

ومع وجود عدد كبير من المتقدمين الذين يسعون خلف عدد قليل جدا من الوظائف، أدرك الكثيرون أنه يمكن الاستفادة أكثر من خلال متابعة المشاريع المستقلة والعمل الحر أكثر من إرسال طلبات التوظيف.

وقال درو غاردينر، أخصائي توظيف الشباب في منظمة العمل الدولية، إنه مع انتقال الوظائف والتعليم عبر الإنترنت خلال الوباء، أصبح الطلب على المهارات الرقمية أكثر من أي وقت مضى، وهو اتجاه من المرجّح أن يستمر.

وقال غاردينر “يرغب الشباب بشدة في اكتساب مهارات الترميز، ومهارات الذكاء الاصطناعي، ومهارات العمل عبر الإنترنت، والترجمة والتحرير”.

وعلى الرغم من أن التدريب على هذه المهارات ليس متاحا دائما بسهولة، إلا أن المبادرات تظهر في جميع أنحاء العالم لتلبية الطلب.

ومن بين 12 ألف شاب شملتهم الدراسة الاستقصائية من قبل منظمة العمل الدولية، قال نصفهم تقريبا إنهم أصبحوا عرضة للقلق أو الاكتئاب منذ بداية الوباء، وكان أولئك الذين فقدوا وظائفهم هم الأكثر تضررا.

وقالت نيكيتا سناء الله، كبيرة مسؤولي السياسات حول الإدماج الاجتماعي والاقتصادي في منتدى الشباب الأوروبي، “إن حالة عدم اليقين التي أحدثها الوضع بشأن مستقبلهم تثير بالفعل علامات إنذار حمراء كبيرة بالنسبة إلينا”.

وقالت سناء الله إن الشباب في العديد من الدول الأوروبية يواجهون صعوبة في الوصول إلى الخدمات الاجتماعية مثل إعانات البطالة لأنهم لم يمضوا ساعات عمل كافية. وأضافت أنه مع فقدان الشباب لمداخيلهم، فهم أيضا عرضة لفقدان سكنهم.

وتابعت “كان هذا تحدّيا كبيرا حتى قبل حدوث هذه الأزمة”، مؤكدة أنه على الرغم من الصعوبات التي يواجهونها، ربما يكون الشباب أكثر انشغالا بالنشاط الاجتماعي.

وتسجّل المنطقة العربية أحد أعلى معدّلات البطالة عالميا، وبلغ عدد العاطلين مع نهاية السنة الماضية 6.4 ملايين عاطل، بحسب أرقام منظمة العمل الدولية التي تؤكّد أن العديد من الدول العربية تخفق في توفير وظائف للباحثين عن العمل والخريجين الجدد بالنظر إلى الأوضاع السياسية والاقتصادية الصعبة التي تمرّ بها.

وفاقمت أزمة كورونا من معدّلات البطالة في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ما ضاعف أعداد المعطّلين خلال الأشهر الستة الأخيرة من السنة الجارية، حيث أدّى تباطؤ دوران العجلة الاقتصادية إلى تضرّر أو إعلان إفلاس عدد من المؤسسات الصغرى والمتوسطة بالخصوص، مفرّغة أفواجا كبيرة من العاطلين إلى خارج سوق الشغل.

ومن شأن المشاكل الاقتصادية الناجمة عن فايروس كورونا، خصوصا معضلتي البطالة وضعف فرص الشغل، أن تتسبب في مشاكل اجتماعية معقّدة وأن ترسّخ الفقر والهشاشة، خصوصا بين الطبقات المتوسطة والضعيفة، التي عمّقت أزمتها.

توقف واحد من كل ستة شبان عن العمل منذ انتشار جائحة كورونا، وأبلغ نصفهم تقريبا عن حدوث تأخيرات في دراستهم، وفقا لاستطلاع أجرته منظمة العمل الدولية

وقال الباحث في علم الاجتماع محمد الهادي بشير، إن الأزمة في المنطقة العربية تتجاوز المعطى الاقتصادي لتشمل تحدّيات اجتماعية كبرى، مثل انتشار الفقر الذي قد تصل نسبته في عام 2021 إلى 32 في المئة ليطال 116 مليون فرد، وتفاقم البطالة بين الشباب لتصل نسبتها إلى حوالي 27 بالمئة، واستمرار عدم المساواة بين الجنسين بمختلف أوجهه.

ويوضح بشير أن المنطقة العربية لا تزال تسجّل فجوة بين الجنسين بنسبة 40 في المئة، وهي الأعلى في العالم.

وأضاف الباحث في علم الاجتماع أن ملامح أزمة اجتماعية ناتجة عن تداعيات الجائحة “تلوح في الأفق القريب، حيث ستكون لها انعكاسات سياسية واجتماعية واقتصادية في عدد من بلدان المنطقة”.

وأشار إلى أنّ المجتمع ككل معنيّ بهذه الأزمة، موردا أن الشباب، باعتبارهم فئة اجتماعية نشيطة، هم الأكثر تضررا من المشاكل المترتبة على الأزمة الاقتصادية، سواء في ما يتعلّق بالمجال المهني أو الأكاديمي، إذ يُطرح أمامهم شبح البطالة وما يفرضه من صعوبات في بناء مسار مهني وحياتي ناجح.

ولم يكن بإمكان أحد توقع عام 2020، ولكن هناك حقيقة عالمية واحدة وهي أن روتين العمل العادي قد تغير إلى الأبد، إذ أصبح مكان العمل وطريقة العمل موضوعين ساخنين الآن لمديري الأعمال حيث يكافحون من أجل الاحتفاظ بالمواهب خاصة.

ويقول حافظ عايش، وهو مدير تنفيذي في شركة “جيزير” للتسويق، “لقد جعلنا هذا العام بأكمله نفكر بشكل أكبر في شأن ما تحتاجه الصناعة حقا، والإجابة كانت ليست مجرد المزيد من المكاتب.”

وأضاف أن المرحلة الأولى من الوباء كانت “الحريق” الذي ساعد الشركة على التحول بسرعة، مشيرا “إذا كانت الشركات ستعاود الدخول إلى المكتب مرة أخرى فستكون أكثر انتقائية”.

الوضع الطبيعي الجديد

ومنذ مارس من العام الماضي، أصبح التعامل مع عمليات الإغلاق الوطنية والمحلية، وتغيير القيود “الوضع الطبيعي الجديد”. واضطرت “جيزير”، كغيرها من الشركات، إلى التغلب على تحديات متعددة والتحول بسرعة إلى العمل عن بعد. وقال عايش “كانت تلك الأيام الأولى فوضوية ولم نحصل على كل شيء بشكل صحيح”. وباستثناء الوباء نفسه، كان العمل من المنزل أحد أكبر قصص عام 2020.

وبالنسبة إلى جيهان الناجي، وهي زميلة حافظ، فتقول “ما هو واضح أن العمل في المكتب لم يمت، سيبدو مختلفا”. ونتيجة لذلك، ستتغير ثقافات العمل وتجري عمليات إعادة الهيكلة، لقد أصبح أصحاب الأعمال أكثر وعيا بالتكاليف العامة المتعلقة بالعقارات أكثر من أي وقت مضى. وتقتنع جيهان بأن “النموذج الهجين موجود ليبقى”. وأضافت “كان عام 2020 عاملا محوريا في العمل من المنزل، لكن عام 2021 سيكون حول الجمع بين العمل عن بُعد والعمل الشخصي معا، ونريد أن نكون في قلب هذا النموذج”.

وإذا كانت مساحة العمل المادية شيئا من الماضي، فإن خبراء يتوقعون أن يأخذ مكان العمل مستقبلا شكل نادي الأعضاء. ويعتقدون أن مستقبل العمل سيتحرر من خلال الاكتشافات التي ظهرت خلال هذا الوباء.

وفي حين ركّزت مكاتب ما قبل الجائحة على المساحات الشاسعة المفتوحة التي تخلق بيئات غير رسمية وتواصلية، ستشهد أماكن العمل بعد الوباء تحولا نموذجيا نحو تعدد المراكز مع محاور مرنة بدلا من المكاتب الدائمة الكبيرة. ستكون المساحات الثابتة شيئا عفا عليه الزمن.

ويؤكد عادل مالك المدير العام لـ”جيزير”، أنه “حان الوقت لكي نتعامل بجدية مع صحتنا، الجسدية والعقلية وصحة الاقتصاد. عندما تعود القوى العاملة الواعية إلى المكتب، أو تتكيّف مع فترة أطول من القيود، يصبح تصميم مكان العمل المستقبلي في الحال بيانا لقيم ما بعد الجائحة”.

وناهيك عن اعتبارات السلامة، يقول كثيرون إن إنتاجيتهم لم تتأثر خلال الإغلاق بل على العكس ازدادت، كما استفادوا من الوقت خلال العمل من المنزل، ويؤكدون أنه لا حاجة حقيقية للعمل من المكتب لأداء وظائفهم.

وتقول هاجر (33 عاما)، وهي تعمل مصممة غرافيكس في معرض سيارات “إن لم تكن وظيفتي تنطوي على عمل بدني ملموس.. ما الحاجة للعودة إلى المكتب لمواصلة العمل إن كان بإمكانك العمل بنفس الإنتاجية خارجه؟”، مؤكدة أنها تحب العمل من المنزل ولا ترغب في العودة إلى المكتب.

من السابق لأوانه معرفة كيف ستؤثر جائحة كورونا تدقيقا على آفاق الحياة المهنية للجيل الجديد وفق خبراء العمل

وبينما يرغب كثيرون في مواصلة العمل من المنزل، يُؤثر غيرهم العمل من المكتب. وتنتظر هناء (30 عاما) بفارغ الصبر العودة إلى المكتب، وتقول إن البعض يشعر بصعوبة العيش في نفس المكان الذي يعمل فيه والعكس صحيح. وتضيف “تستيقظ فتجد العمل أمامك”. وتتابع أنها تفتقد زملاء العمل وقهوة الصابح خارجا تنتظر بفارغ الصبر اليوم الذي تترك فيه “مكتب منزلها” للخروج من جديد مساء بعد العمل.

لكن السؤال يبقى وفق كثيرين: هل يوجد حل يرضي جميع الأطراف، هل يمكن الموازنة بين اختيار الفرد والإنتاجية؟

ويقول الكثير من الموظفين إن إتاحة الخيارين، سواء العمل من المكتب أو العمل من المنزل، سيكون السبيل الأفضل في عالم ما بعد جائحة كورونا. ويصر خبراء العمل “يجب أن يكون السماح بالعمل من المكتب أو من المنزل خيارا متاحا إن أمكن ذلك.. فالسماح بالعمل من المنزل سيجعل موظفي الشركة أكثر مهارة دون اشتراط وجودهم مكانيا في محل العمل”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى